السيد كمال الحيدري
211
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
الأرضيّة لإفاضة الصورة والوجود من العلّة الحقيقيّة ، كما في الزرع الذي يحتاج إلى إعداد الأرضيّة من وضع البذرة في الأرض الصالحة للزراعة ، وتوفير المقدار اللازم لها من الماء والهواء والشمس . . . فإذا قام الفلّاح بتهيئة الأرضيّة لإفاضة الزرع على هذا الوجود ، فإنّ المولى سبحانه وتعالى يحقّق فيها الزرع ، والقرآن الكريم يقول : أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ « 1 » بل إنّ الفاعل الحقيقي هو الله تعالى ، ولا يوجد فاعل حقيقي في الوجود سواه . وكلّ ما في عالم المادّة فاعل معدّ ، وهو يهيّئ الأرضيّة لإفاضة الوجود من الله سبحانه وتعالى ، ويستحيل أن يوجد فاعل حقيقي غير الله تعالى في عالم المادّة ؛ لأنّه في هذا العالم لا يمكن إيجاد شيء من العدم وإعدام شيء موجود ، وإنّما يمكن إحداث تغييرات في أعراض الشيء ، أمّا العلّة الفاعليّة الحقيقيّة فهي التي توجد الشيء بعد العدم . والبنّاء في المثال المتقدّم ليس علّة فاعليّة بل هو علّة معدّة للبناء ، فهو يعدّ الأرضيّة فحسب ، بأن يجمع بين الحجارة المتفرّقة بنحو من الأنحاء ، وعند ذلك يتحقّق البناء من خلال القوانين التي وضعها الله تعالى في عالم المادّة . وإلى هذا المعنى وهذه الأمثلة الدالّة على المطلوب يشير صدر المتألّهين في كلامه : « فإذن ما أسهل لك أن تتيقّن أنّ وجود العالم عن الباري جلّ ثناؤه وعظم كبرياؤه ليس كوجود الدار عن البنّاء وكوجود الكتابة عن الكاتب الثابت العين المستقلّ بذاته المستغني عن الكاتب بعد فراغه ، لكن كوجود الكلام عن المتكلّم إن سكت بطل وجود الكلام ، بل كوجود ضوء الشمس
--> ( 1 ) الواقعة : 64 .